
بقلـم فرح عبد الساتر
عندما كتب أنتوني نيولي وليزلي بريكوس أغنيتهما "شعور جيد" عام 1965، كانت الإحتمالات شبه معدومة أن يتخيل الثنائي أن يكون هذا هو ما يشعر به المواطنون العرب الشباب بعد 46 سنة، وأن يغنّونه في الكثير من الأماكن أو يصرخونه، رداً على "ثورة الياسمين" التونسية.
يصعب بوجود ما يزيد على مليون مصري يملؤون ميدان التحرير اليوم مطالبين باستقالة الرئيس المصري حسني مبارك، أن لا تتساءل ما إذا كان هذا الفجر الجديد قد بدأ يبزغ فعلياً.
الواقع أن الثورة التونسية، التي أجبرت الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على الاستقالة، لم تُلهِم شباب الشرق الأوسط الذين يعيشون تحت الحكم الدكتاتوري المستبد فحسب، وإنما شكّلت كذلك إنذاراً لحكومات أخرى في المنطقة.
جرى إصدار عدد ليس باليسير من الأنظمة الاقتصادية، مثل قرار الأردن تخفيض ضريبة الدخل، في محاولة لتجنب هذا الحدث الذي يخافه الجميع: الخروج للتظاهر في الشارع. إلى جانب هذه التحفّظات السياسية استخدمت شخصيات دينية، مثل الشيخ صلاح نصر إمام جامع الأزهر، المنابر العامة مثل التلفزيون لتثبيط همّة الشباب ضد أعمال التضحية بالذات. كان الشيخ نصر يشير بالطبع لأفراد مثل محمد بوعزيزي، بائع الفواكه التونسي الشاب الذي أحرق نفسه وأطلق الثورة.
إلا أنه يبدو أنه لا يستطيع لا الدين ولا القوة أن يثبطا عزيمة الشباب في الجزائر واليمن والأردن وغيرها من الدول في الخروج إلى الشارع مطالبين بالتغيير الديمقراطي.
وتدعي جماعات تأثير شبابية أنها تعد لتظاهرات أكبر سوف تأتي قريباً. ولكن الأنظار تتجه جميعها اليوم إلى مصر.
تطورت مسيرة صغيرة نسبياً ضد عدم المساواة والفقر والبطالة يوم 25 كانون الثاني/يناير، تضم آلاف المصريين، لتصبح "جمعة الغضب". تظاهر آلاف آخرون من المصريين ضد النظام والحزب السياسي الحاكم والرئيس، الأمر الذي جعل السلطات تحجب الإنترنت وخدمات الهاتف النقال والخطوط الهاتفية الأرضية، مما صبّ الوقود على النار.
ودخلت المظاهرات في هذا اليوم الأول من شباط/فبراير يومها السابع.
وفي الوقت الذي يأمل فيه الكثيرون بتحقيق نفس النتائج التي رأوها في تونس، إلا أن الوضع في مصر مختلف. فلدى مبارك تاريخ بامتصاص غضب هؤلاء المحتجّين ضده. وكما يشرح ياسر خليل، وهو صحفي وباحث مصري في مقال نشره مؤخراً في إحدى المدوّنات، ردّ الرئيس أحياناً بتنازلات بسيطة وترتيبات قصيرة الأمد حوّلت التركيز بعيداً عن جذور المشاكل التي تواجه الشباب، الذين وصل بعضهم حد اليأس لإشعال النار بأنفسهم للتعبير عن وضعهم.
والواقع أنه رغم المظاهرات الهائلة، كان التنازل الوحيد الذي قدّمه مبارك حتى الآن هو حل البرلمان وتسمية عمر سليمان، الرئيس السابق للمخابرات المصرية نائباً للرئيس يوم 29 كانون الثاني/يناير، وهو قرار يشعر الكثيرون أنه لا يشكل تغييراً حقيقياً. وقد رفض مبارك حتى الآن التنازل عن رئاسة الجمهورية.
إضافة إلى ذلك وبعكس تونس، يوجد في مصر قوة أمنية ضخمة، و450,000 فقط منها في الجيش. وتكمن هذه القوة الأمنية والشرطية الضخمة في داخل نظام مبارك، وهي من غير المرجح أن تصطف إلى جانب المتمردين كما حصل في ثورة تونس. وقد قدمت وسائل الإعلام العربية والعالمية تقاريراً عن أفراد بلباس مدني يُعتقد بأنهم قوات أمنية تشجع على الفوضى وتطلق سراح المجرمين من السجون وترتكب الجرائم باسم "الثورة المصرية".
إلا أنه رغم هذه المفارقات، يستمر الناس بالتجمع يوماً بعد يوم في كافة أنحاء الدولة. وقد قاموا بتشكيل لجان لحماية أحيائهم ومجتمعاتهم من أعمال السرقة والسلب، وشكّلوا سلاسل بشرية لحماية كنوزهم الوطنية من الدمار، بل وتقدموا لملء الفراغ الذي خلّفه هؤلاء الذين كانوا يوجهّون حركة المرور ويلقون القبض على المجرمين.
كان التونسيون أول من كسر حاجز الصمت، ويحمل المصريون اليوم الشعلة. لقد أصبح جيل الشباب العرب هذا مسلّحاً ليس فقط بهاتف البلاك بيري النقال والآي فون والمدوّنات والفليكر والفيسبوك، وإنما كذلك بالقناعة باتّباع إلهام غاندي "بأن يكون التغيير الذي يرغبون برؤيته في العالم".
هل يشكل هذا كله بداية لصحوة عربية؟
###
* فرح عبد الساتر مؤسِّسة ورئيسة جمعية شباب الأمم المتحدة في لبنان. وهي كذلك كاتبة ومدوّنة حصلت على جائزة جمعية الجامعات الفرانكوفونية لكتاباتها عن السلام. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.