بقلم : ياسر الزعاترة
يشكك في موقفنا الحاسم من أية إساءة للمسيحيين في العالم العربي ، يمكنه العودة إلى ما كتبنا ها هنا مباشرة بعد مجزرة كنيسة النجاة في بغداد ، ثم بعد مجزرة كنيسة الإسكندرية. نقول ذلك حتى لا يعتقد البعض أن الأيديولوجيا الإسلامية التي ننطلق منها تدفعنا إلى شكل من أشكال التعصب ضد المسيحيين ، الأمر الذي ينم عن سوء فهم للظاهرة الإسلامية وما تنطوي عليه من تباينات من جهة ، كما ينم عن سوء فهم للفكر الإسلامي الصافي فيما يتصل بالعلاقة مع المسيحيين وسواهم من أهل الأديان الأخرى.
ليس المسيحيون وحدهم هم من ظلوا يعيشون بين ظهراني المسلمين طوال القرون كدليل على التسامح ، ولا حتى اليهود الذي فروا من الاضطهاد المسيحي في أوروبا ، بل شمل ذلك الأديان الأخرى غير السماوية أيضا (قد ترى نفسها غير ذلك). فحين يبقى الصابئة مثلا في دولة مثل العراق التي كانت لقرون حاضرة الخلافة الإسلامية ، فهذا يعني أن المسلمين كانوا يترجمون فعلا لا قولا مقولات ربهم "لا إكراه في الدين" ، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين". كل ذلك في مقابل التطهير الديني الأوروبي ضد اليهود وكذلك ضد المسلمين كما تجلى في إسبانيا.
من هنا ، نجد من حقنا أن نشعر بالحساسية ، بل ما هو أكثر من ذلك ، عندما يتحدث رئيس فرنسا الأكثر انحيازا في تاريخها للكيان الصهيوني ، وكذلك للولايات المتحدة ، عن "تطهير ديني إجرامي" ضد المسيحيين ، حتى لو قال إن من يفعلون ذلك لا يمثلون الإسلام. كما أن من حقنا أن نشعر بذات الحساسية عندما يركز "الحبر الأعظم" على ذات الملف إثر تفجير كنيسة الإسكندرية على ما بينه وبين الكنيسة الأرذثوكسية الشرقية من تناقضات تصل حد التكفير.
ثمة حقائق ينبغي أن يتذكرها هؤلاء وهؤلاء حين يفتحون هذا الملف ، وهي:
أولا: أن هذه الفوضى التي تجتاح المنطقة ويذهب ضحيتها مسلمون (سنة وشيعة) ومسيحيون ، كما يذهب ضحيتها أحيانا أناس أبرياء خارج العالم العربي ، إنما هي نتاج الهجمة الأمريكية الغربية على الأمة العربية والإسلامية باحتلال العراق وأفغانستان والدعم المفرط للكيان الصهيوني ، فضلا عن معالم كثيرة أخرى لاستهداف الإسلام والمسلمين في الغرب والشرق ، من دون أن يعني ذلك أدنى تبرير لاستهداف الأبرياء أيا تكن الذريعة.
ثانيا: أن من قتلوا في هذه الفوضى من المسلمين هم أكثر بكثير ممن قتلوا من المسيحيين ، حتى لو أخذنا نسبة كل طرف في الاعتبار.
ثالثا: أن شكاوى الأقباط في مصر لا علاقة لها بالمسلمين ، وإنما بالسلطة السياسية التي تضطهد الجميع ، وحتى ذلك الانتشار لتيار إسلامي معين ينطوي خطابه على بعض الطائفية إنما هو نتاج تسامح السلطة واستخدامها له ضد الإخوان المسلمين كقوة معارضة.
رابعا: أن بعض الاستفزاز قد صدر من قبل الأقباط حيال المسلمين ، مثل قول نائب البابا شنودة إن المسلمين في مصر ضيوف على المسيحيين ، أو تشكيك أحدهم بالقرآن ، أو إنتاج ثالث لفيلم يسيء للإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام ، فضلا عن الاستفزازات المتواصلة التي يمارسها أقباط المهجر ، ولا تسأل عن تبرع البابا شنودة بالتأييد الدائم للنظام والحزب الحاكم نكاية في الإخوان المسلمين. والأهم من ذلك كله إصرار الأقباط على التصرف كطائفة لها استقلاليتها عن الدولة ، في حين يخضع المسلمين في سائر شؤونهم ، بما فيها الدينية للدولة.
خامسا: موضوع الهجرة لا صلة له بالاضطهاد والتمييز ، وإنما بالنموذج الجاذب في الغرب ، ولو أتيح لسكان مصر أن يهاجروا إلى الغرب لهاجرت نسبة كبيرة منهم ، مع أن شعور بعضهم بالخوف على هويته وأبنائه هو الذي ربما يدفعهم نحو التردد ، الأمر الذي لا ينطبق على المسيحيين.
سادسا: لماذا يتم تجاهل الدول العربية التي يعيش فيها المسيحيون بشكل أفضل مما تمنحهم نسبتهم الديمغرافية ، وفيها حركات إسلامية لا تتعرض لهم بسوء ، أكان بسبب وسطية تلك الحركات ، أم بسبب مواقف السلطة السياسية ، مع أن ذلك لا يمنع كثيرا منهم من الهجرة حين تتوفر الظروف؟.
خلاصة القول هي أن الأزمة سياسية بامتياز ، إذ حتى السلفية الجهادية بطبعتها القاعدية لم تتبن التطهير الديني ضد المسيحيين قبل حالة الفوضى الجديدة ، ومن أراد تعزيز فكر التعايش في المنطقة ، فعليه أن يدين العدوان الأجنبي على العرب والمسلمين ، كما عليه أن يقف مع جماهير الأمة ضد الظلم والفساد الذي تمثله كثير من الأنظمة من جهة أخرى ، لا أن يقف معها ضد خيارات الشعوب كما تفعل الولايات المتحدة وكثير من الدول الغرب هذه الأيام ، فضلا عن كثير من العرب والمسلمين والمواطنين العرب غير المسلمين أيضا.
عن الدستور