بقلم : جهاد المومني
في عالمنا العربي والاسلامي وفي مناطق اخرى من العالم نماذج صارخة على صراعات هي بالاصل دينية ثم اصبحت منتجا سياسيا متحولا ومستعصيا على الحل، وما لم تنته الى سلام ديني اولا وقبل كل شيء فلن تتوقف عند حد, بل ستتسع أكثر وأكثر وتمتد الى داخل المجتمعات التي تبدو للوهلة الاولى انها موحدة وغير قابلة للقسمة والشرذمة والاحتراب، ولعل من بديهيات الوعي السياسي بحقيقة المشكلة وجوهرها في هذه المرحلة التي تنذر بخطر العصبية الدينية ان تبدي الحكومات أكثر من مجرد القلق على الحالة الامنية والحرص على استقرار النظام السياسي في هذا البلد او ذاك،
فالمأزق لم يعد امنيا بالدرجة الاولى وانما تجاوز حدود تهديد الاستقرار في بلد معين ليصبح مصدر خوف على العلاقات الانسانية على مستوى العالم وقد يسفر عن قرارات تتخذها الدول في اطار سياسة من الانغلاق تصبح ضرورية اذا ما رأى الغرب مثلا ان الشرق مصدر تهديد له ولحضارته، والعكس ايضا صحيح، مما سينتهي حتما الى اجراءات عملية تغلق الابواب لتشرع الكراهية والتوتر الذي سيقود الى الصدام والمزيد من الحروب والتدمير للمنجزات البشرية التي تحققت بجهد جماعي ساهم فيه الشرقي والغربي والشمالي والجنوبي ولو بنسب متفاوتة، انه الخطر القادم من داخل البيوت ليخرج الى الشارع فيصيب المسجد والكنيس والكنيسة ثم يعود ثانية ملطخ الايدي بالدماء.
الاديان جميعها امام تحد حضاري كبير هو السلام بكل ما يعنيه من تسامح وأمن وتفاهم وتعاون،والسلام بديل الحرب والكراهية والانعزال وكلها اليوم سمات لهذا العصر المشحون بالنزاعات الدولية والاقليمية والطائفية،ومما يؤسف له بالفعل ان يكون لبعضها ان لم يكن لمعظمها جذور تعصب ديني عندما نجح البعض في استغلال الاديان وتسخير قوة الايمان والولاء للعقائد من أجل الشر بدلا» من تسخيرها للخير وجمع كلمة البشرية على مواجهة تحديات كبرى كالفقر والكوارث والنزاعات والأمراض والجريمة وغيرها من التحديات التي يتطلب اجتثاثها او التعامل مع اثارها تعاونا» دوليا» على مستوى المجتمعات التي تشكل الاسرة الانسانية،هذه الاسرة اليوم بأمس الحاجة الى اقامة جسور من التفاهم والتعاون بين القيادات الدينية في مختلف ارجاء المعمورة موازية للقيادات السياسية لبحث مختلف المشاكل العالمية التي تواجه البشرية جمعاء ومنها التعصب الديني باعتباره سببا» للنزاعات والحروب.
هذا المفهوم في اطاره العام يمثل احد اهم اتجاهات الدولة الاردنية وتحديدا رؤية القيادة العليا في بلدنا وتعظيمها لدور الاديان في جعل حياة الانسان أكثر امنا وكرامة وبأن الاديان تمثل قوة اخلاقية هائلة مؤهلة للتصدي للتحديات الكبرى التي تواجه الانسانية على الصعيدين المادي والروحي،وهي قوة قادرة ليس فقط على ممارسة الدبلوماسية الوقائية وانما على حل النزاعات بالطرق السلمية،فالديانات لا تصنع الحروب لكنها تستغل من قبل المتعصبين لها لبناء اسوار الكراهية بين الامم والشعوب،وهذا الامر بالذات ينطبق على منطقتنا التي تشهد تطرفا» دينيا» تتزعمه اقلية في كل جانب فتدعي احتكار الحقيقة في الدنيا والثواب في الآخرة،فتنفي الآخر وتشرده من ارضه او تقتله على اساس اثني لا علاقة لجوهر الدين به
.
المصدر : الرأي