ليس سرا ان المنطقة العربية هي الجزء الوحيد من العالم الذي بقي عصيا على رياح التغيير ، ولم تجد نفعا نداءات الداخل ولا تهديدات الخارج. ولم تلق المطالبات بالاصلاح اية استجابة ، بل تغول المتحكمون بمصائر الناس وتفننوا في اساليب التحايل ، لابقاء الامور على ما هي عليه وللتنصل من اي تطوير يمنح الناس حقوقهم في الحياة الحرة الكريمة ، اسوة بباقي شعوب الارض.
وقد حاولت الادارة الاميركية السابقة باسلوبها الفج ، ان تتدخل لتحقيق ما اسمته "الاصلاح والتغيير" في المنطقة العربية ، خدمة لاجندتها الخاصة وبما يحقق مصالح اسرائيل ، ولكنها سرعان ما تخلت حتى عن هذا المسعى المشبوه ، والذي لم ينطلق من دوافع حقيقية لتعزيز الاصلاح في العالم العربي ، وتوقفت عن اطلاق الوعود التي يعرف الجميع ، انها لم تكن صادقة ولا جادة في غمرة انشغالها بما تسمى "الحرب على الارهاب".
ان الامر الوحيد الذي "انجزته" تلك الادارة الراحلة ، هو الاساءة لقضية الاصلاح ووصم المطالبين بتعزيز الحقوق المدنية للمواطنين العرب بالعمالة ، وتصويرهم وكأنهم من انصار فكرة الشرق الاوسط الكبير ، التي طالما روجت لها وزيرة الخارجية الامريكية السابقة ، معتبرة اياها المسار الاجباري الوحيد لتحقيق احلام ملايين العرب في الحرية والكرامة.
ومع ان بوش وزمرته قد اصبحوا في ذمة التاريخ ، إلا ان تطلعات الناس في العالم العربي الصادقة للتغيير والاصلاح ما تزال متأججة في القلوب والصدور ، وقد احيا العدوان الاسرائيلي على غزة الاهتمام بضرورة تحقيق اصلاح جاد في الواقع العربي ، يمكن الامة من رص صفوفها والتصدي لكل المتطاولين على الحقوق العربية: فقد سبب العدوان الصهيوني الاجرامي جرحا عميقا في الوجدان الجمعي العربي ، وخلف احساسا خطيرا بالاذلال والمهانة لدى قطاعات واسعة من الناس. كما ان حالة الانقسام والتفكك التي عانى منها النظام السياسي العربي ، فاقمت الاحساس بضرورة مراجعة الامور ، وتمكين الناس من الشراكة الحقيقية في صياغة مستقبلها. وبينما كانت هذه الدعوات لتعزيز الحقوق المدنية تتفاعل في العالم العربي ، خرج صوت آخر من امريكا محذرا من الاستئثار بالسلطة ومطالبا باحترام الاصوات المعارضة" في العالم الاسلامي". وكان صاحب الصوت هذه المرة هو الرئيس الامريكي الجديد اوباما ، الذي تراهن عليه امريكا لانتشالها من ازماتها السياسية والعسكرية ولاقتصادية. كما تعقد عليه آمالا تحسين صورتها المهتزة في العالم.
ورغم ان المؤشرات الاولية تدل على ان فرص اوباما في النجاح لتحقيق المصالح الامريكية افضل بكثير من فرص سابقه ، إلا ان احدا في المنطقة العربية لم يتوقف عند دعوته لاصلاح الاحوال ، لان الكل اصبح مدركا ان دعوات الاصلاح من الخارج ، تأتي مصحوبة باجندات مخفية وترمي لتحقيق اهداف مضمرة ، ولا يمكن ان يكون هدفها الاصلاح من اجل الاصلاح ، او لما فيه خدمة المصالح العربية.
ومع ذلك ، فما تزال الكرة في مرمى الانظمة العربية ، التي ينبغي عليها ان تصغي جيدا لاصوات شعوبها المطالبة بالحرية والمساواة والكرامة في اوطانها. وكلما سارعت الانظمة في الاستجابة لتطلعات شعوبها المشروعة هذه ، قطعت الطريق على القوى الخارجية التي تحاول استغلال توق الناس للحرية لتحقيق اجنداتها المشبوهة.